الصالحي الشامي

304

سبل الهدى والرشاد

بالدجال ، وكيف مدحت المدينة الشريفة بأنه لا يدخلها ؟ والجواب أنه كونه شهادة ورحمة ليس المراد بوصف ذلك ذاته ، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه ، وأنه سببه ، فإذا تقرر ذلك واستحضر ما ورد في الأحاديث من أن طعن الجن ( 2 ) ظهر به مدح المدينة بأنه لا يدخلها إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة الشريفة ، ومن اتفق دخوله إليها منهم لا يتمكن من آحاد أهلها بالطعن حماية من الله تعالى لهم منهم . فإن قيل : طعن الجن لا يختص بوقوعه من كفارهم في مؤمني الانس ، بل يقع من مؤمني الجن في كفار الانس ، فإذا سلم منع الجن الكفار من المدينة لم يمنع من آمن منهم من دخولها فالجواب : إن دخول كفار الانس المدينة غير مباح ، فإنه إذا لم يسكن المدينة إلا من أظهر الاسلام ، جرت عليه أحكام المسلمين ، وصار من لم يكن خالص الاسلام تبعا للخالص ، فحصل الامن من دخول الجنة إليهم ، فلذلك لا يدخلها الطاعون أصلا . قال الحافظ في بدل الطاعون في أخبار المدينة : وهذا الجواب أحسن من جواب القرطبي في المفهم حيث قال : ( المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي في غيرها كطاعون عمواس ( 1 ) والجارف ) . وهو جواب صالح على تقدير التنزل أن لو وقع شئ من ذلك بها . وقال غيره : سبب الرحمة لم ينحصر في الطاعون وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( غير أن عافيتك أوسع لي ) ، فإن ذلك من خصائص المدينة الشريفة ، ولوازم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصحة . وأجاب المنبجي بأجوبة منها أنها صغيرة ، فلو وقع بها الطاعون أفنى أهلها ، ومنها أنه عوضهم عن الطاعون بالحمى لان الطاعون يأتي بعد مدة والحمى تتكرر في كل مدة فتعادلا . قال الحافظ : ( ويظهر لي جواب أخص من هذه الأجوبة بعد استحضار حديث أبي عسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام ) ، الحديث ، وهو أن لا حكمة في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا ومددا من زاد وغيره ، وكانت المدينة وبيئة كما سبق ، فناسب الحال الدعاء بتصحيح المدينة لتصح أجساد المقيمين لها ليقووا على جهاد الكفار ، وخير النبي صلى الله عليه وسلم في أمرين ، يحصل لمن أصاب كلا منهما عظيم الثواب ، وهما الحمى والطاعون ، فاختار الحمى بالمدينة لان أمرها أخف من أمر الطاعون لسرعة الموت به غالبا . فلما أذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى ضعف الأجساد التي تحتاج إلى القوة في الجهاد ، فدعا حينئذ بنقل الحمى إلى الجحفة فأجيب دعاؤه ، وصارت المدينة من أصح بلاد الله ، فإذا شاء الله موت أحد منهم ، حصل له التي كانت من الطاعون بالقتل في

--> ( 1 ) عمواس رواه الزمخشري بكسر أوله ، وكسر ثانيه . وغيره بفتح أوله وثانيه وسين مهملة آخره : كورة من فلسطين قرب بيت المقدس وكانت عمواس قصبتها قديما ، وهي ضيعة جليلة على ستة أميال من بيت المقدس منها كان ابتداء الطاعون المنسوب إليها في زمن عمر ، قيل مات فيه خمسة وعشرون ألفا . من مراصد الاطلاع 2 / 962 ، 963 .